محمد جمال الدين القاسمي
516
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
وَصُمًّا أي كما كانوا في الدنيا لا يستبصرون ولا ينطقون بالحق ، ويتصامّون عن استماعه - فهم في الآخرة كذلك لا يبصرون ما يقر أعينهم ، ولا يسمعون ما يلذ مسامعهم ، ولا ينطقون بما يقبل منهم وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى [ الإسراء : 72 ] - كذا في ( الكشاف ) مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ أي سكن لهيبها ، بأن أكلت جلودهم ولحومهم زِدْناهُمْ سَعِيراً أي توقدا . بأن نبدل جلودهم ولحومهم ، فتعود ملتهبة مستعرة . قال الزمخشريّ : كأنهم لما كذبوا بالإعادة بعد الإفناء ، جعل اللّه جزاءهم أن سلط النار على أجزائهم تأكلها وتفنيها . ثم يعيدها . لا يزالون على الإفناء والإعادة ليزيد ذلك في تحسرهم على تكذيبهم البعث . ولأنه أدخل في الانتقام من الجاحد . وقد دل على ذلك بقوله : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 98 ] ذلِكَ جَزاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنا وَقالُوا أَ إِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً ( 98 ) ذلِكَ جَزاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنا وَقالُوا أَ إِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً أي لمحيون خلقا جديدا ، بإعادة الروح فينا ، إذا تلف لحمنا وبقينا عظاما . بل رقت عظامنا فصارت رفاتا . ثم احتج تعالى عليهم ، ونبههم على قدرته على ذلك بقوله : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 99 ] أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلاَّ كُفُوراً ( 99 ) أَ وَلَمْ يَرَوْا أي يعلموا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ أي يوم القيامة . ينشئهم نشأة أخرى ويعيدهم كما بدأهم . والمعنى : قد علموا بدليل العقل أن من قدر على خلق السماوات والأرض ، فهو قادر على خلق أمثالهم من الإنس . لأنهم ليسوا بأشد خلقا منهن . كما قال : أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ ولا الإعادة أصعب عليه من الإبداء . بل هي أهون . قال الشهاب : ولا حاجة إلى جعل ( مثل ) هنا كناية عنهم . كقوله : ( مثلك لا